مقديشو 24 ذو القعدة 1446 هـ الموافق 11 مايو 2026 م (صونا) – في مشهد سياسي وتاريخي مهيب، طوى الصومال اليوم صفحة العقود الطويلة من الترقب، ليفتح فصلاً جديداً من فصول النضج السياسي؛ حيث تدفق آلاف المواطنين في ولاية جنوب غرب الصومال نحو مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات المجالس المحلية والنيابية. هذا الحدث، الذي يُعد الأول من نوعه بنظام الاقتراع المباشر “شخص واحد، صوت واحد” منذ أكثر من 57 عاماً، يمثل حجر الزاوية في مسيرة استكمال بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الحكم المحلي.
ملحمة ديمقراطية في 13 مديرية
منذ ساعات صباح الأمس الأولى، اصطف المواطنون في طوابير طويلة امتدت عبر 13 مديرية في محافظات (باي، وبكول، وشبيلي السفلى). ولم تكن هذه الطوابير مجرد إجراء انتخابي، بل كانت تعبيراً حياً عن إرادة شعبية عارمة؛ حيث تقدم كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة والشباب المشهد، مؤكدين تمسكهم بحقهم الدستوري في اختيار ممثليهم بعيداً عن أنظمة التعيين والمحاصصة التقليدية.
رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود، السيد عبد الكريم أحمد حسن، الذي أعلن رسمياً انطلاق العملية، أكد خلال جولته التفقدية في العاصمة المؤقتة “بيدوا” أن الإجراءات سارت وفق أعلى معايير الشفافية والنزاهة، مشيراً إلى أن التحقق من أهلية المرشحين تم بدقة متناهية وفقاً لقانون الانتخابات الوطنية.
أرقام تعكس التعددية والمشاركة
تجلت حيوية المسار الديمقراطي في حجم المشاركة السياسية الواسعة، حيث كشفت بيانات اللجنة الانتخابية عن خريطة تنافسية غنية:
- على مستوى مجلس النواب: تنافس 394 مرشحاً (بينهم 72 امرأة) يمثلون 15 حزباً سياسياً.
- على مستوى المجالس المحلية: انخرط 18 حزباً في السباق بـ 1,297 مرشحاً (بينهم 275 امرأة).
هذا الحضور النسائي والشبابي والتعدد الحزبي يعكسان تحولاً نوعياً في الوعي المجتمعي، ويؤكدان أن الصومال يمضي قدماً نحو مأسسة العمل السياسي وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في صنع القرار.
دعم قيادي وتفاؤل وطني
وعلى أعلى المستويات القيادية، حظيت العملية الانتخابية بمباركة ودعم كبيرين؛ حيث أدلى رئيس مجلس الشعب الفيدرالي، السيد شيخ آدم مدوبي، بصوته في بيدوا، واصفاً اللحظة بأنها “انتصار للديمقراطية الصومالية”، داعياً كافة المواطنين لاغتنام هذه الفرصة التاريخية لرسم مستقبل مناطقهم.
من جانبه، أشاد رئيس الجمهورية، فخامة الدكتور حسن شيخ محمود، بالهدوء والاستقرار الذي صاحب العملية الانتخابية. وفي خطاب وجهه للأمة، هنأ فخامته سكان ولاية جنوب الغرب، مؤكداً أنهم “فتحوا صفحة جديدة وتاريخاً مشرقاً للصومال”، ومعتبراً أن نجاح هذا النموذج في 13 مديرية هو رسالة قوية حول قدرة الصوماليين على إدارة شؤونهم عبر صناديق الاقتراع، وبناء نظام حكم رشيد يبدأ من القواعد الشعبية.
رسالة إلى المستقبل
إن جولة الحاكم المؤقت لولاية جنوب الغرب، السيد جبريل عبد الرشيد حاجي، التفقدية وإشادته بجهود القوات الأمنية ولجنة الانتخابات، تعكس التكامل بين الأجهزة التنفيذية والأمنية لضمان سلامة المسار الديمقراطي.
ختاماً، لا تقتصر أهمية انتخابات جنوب غرب الصومال على اختيار مسؤولين محليين، بل هي “بروفة” وطنية كبرى تبرهن على نضج التجربة الديمقراطية الصومالية. إنها العودة الصريحة لإرادة الشعب، والخطوة الأكثر ثباتاً نحو استقرار سياسي مستدام ينهي عقوداً من الصراعات، ويضع الصومال في مصاف الدول التي تحترم سيادة مواطنيها عبر “الصوت” لا “الرصاص”.
