المقالات
عن رحلتي الي ورشيخ...هل السياحة في جنوب الصومال ممكنة

في صباح يوم الخميس التاسع يوليو 2026، حزمنا حقائبنا انا واربعة آخرون من اصدقائي متجهين نحو شمال مقديشوا العاصمة وبالتديد الي مدينة ورشيخ في محافظة شبيلى الوسطى، ولاية هيرشبيلي الصومالية.
كان منظم رحلتنا الصديق العزيز والشاب النشط عبد الله شريف حسين الذي أخبرنا مساء الأربعاء بأننا سنجتمع عند تقاطع صنعاء في مديرية كاران، حيث سنستقل سيارة من نوع تويوتا لاند كروزر.
كنت آخر من وصل الي نقطة التجمع وما تصافحت الزملاء حتى رن هاتف عبد الله إذ كان سائقنا يتصل ليخبرنا بوصوله الي المكان، فركبنا السيارة وبدأت رحلتنا نحو ورشيخ.
في الطريق، كنا نتوقع ان نشاهد العديد من نقاط التفتيش متأثرين بما ترسخ في ذاكرتنا من هواجس أمنية مرتبطة بالمحافظات الجنوبية من البلاد، لكننا فوجئنا كيف مرت الامور على ما يرام، لم نمر سوى نقطة واحدة عند الخروج من مقديشو واخرى قبيل وصولنا الي وجهتنا النهائية.
حوالي الساعة العاشرة والنصف كنا قد غادرنا العاصمة مقديشو، وودعنا ضجيجها وحركتها اليومية، وبما اننا في موسم الامطار، كانت جوانب الطريق مكسوة بالخضرة التي تقر بها العيون تأنس بها النفس.
تجاوزنا عيل عدي ثم وصلنا إلي قرية عيل معان، كلمة "عيل" تعني "البئر" و كلمة "معان" تعني "العذب" مما يشير الي ان هذه الاماكن كانت آبارا في القديم ثم استوطن فيها بعض الرعاة، انضم اليهم اليهم آخرون وهكذا تشكلت القرى والمدن تدريجيا، وليس ذلك مستغربا فالمعروف أن الحضارات القديمة نشأت غالبا حول مصادر المياه ، عند السواحل وضفاف الانهار، مثل الحضارة المصرية القديمة التي قامت علي ضفاف نهر النيل، وحضارة بابل بين نهري دجلة والفرات وحضارات اخرى في ما وراء النهر جيحون "امادوريا".
بعد عيل معان بدأت الرمال تتكاثر وتختفي المساحات الخضراء، هذه المنطقة البدوية تعرف باسم "هاباي" وتبدو كأنك في صحراء ليبيا حتى تصل الي مدينة ورشيخ.<br>تقع ورشيخ علي بعد نحو 70 كم شمال العاصمة مقديشو، وهي مدينة ساحلية تاريخية ومركز ديني قديم، تأسست المدينة علي يد الشيخ داوود الذي أنشأ فيها محضرة علمية يعلم فيها الطلاب مختلف الفنون والعلوم، وكان طلبة العلم ياتون اليها من كل حدب وصوب، وبعد رحيل الشيخ، خلفه احد طلابه ثم جاءت شيوخ اخرى من أماكن مختلفة حتى من خارج الصومال، بعيدة وحتي من بلاد أجنبية مثل الشيخ ابي بكربن مهزار بن أحمد الكسادي" ابي بكر محلدار" الذي يروى انه قدم من اليمن.
دخلنا المدينة ووصلنا الي الفندق الذي حجزناه مسبقا، وكان من حسن حظنا انه يقع بجوار أكبر جامع في ورشيخ، وضعنا حقائبنا وبعد برهة توجهنا الي المسجد لأداء صلاة الطهر، تتميز غالبية مساجدالمدينة بوجود اضرحة لعلماء عاشوا هنفيهاا ودفنوا هناك،حيث تتم الزيارة علي هذه الأضرحة مواسم معينة، مما يعكس أن غالبية سكان هذه المنطقة يتبعون الطرق الصوفية، إذ يعتقدون بقدرة الأولياء على قضاء الحاجات، لذلك لكل مسجد ضريحه إما في داخل المسجد أو في باحته.
بعد الصلاة تناولنا الغذاء في احد المطاعم، ثم عدنا الي الفندق للحصول علي قسط من الراحة، استعدادا لاستكشاف ما تخفيه عنا ورشيخ!،بعد صلاة العصر بدأنا نزهتنا عند شاطئ البحر الذي لا يبعد كثيرا عن مكان اقامتنا.كان الجو هادئا جدا، وكذالك كانت أمواج البحر في ذلك المساء، التقينا بعض من شباب المدينة الذين كانوا يلعبون كرة القدم عندها ونحن بدورنا لعبنا معهم والتقطنا بعض الصور ومقاطع الفيديوهات القصيرة، كانت الاجواء هناك نموذجا لنزهة بحرية رائعة؛ شواطئ المحيط الهندي النقية والهدوء الذي يبعدك عن ضوضاء المدن الكبرى يمنحان المكان سحرا خاصا.
عن تاريخ ورشيخ:تُعد ورشيخ واحدة من المستوطنات الرئيسية والمراكز الإسلامية المبكرة في جنوب الصومال خلال العصور الوسطى، يوجد في المدينة مسجد قديم بالقرب من رأس ورشيخ، تحمل جدرانه كتابة تشير إلى بنائه عام 1278هـ (1861-1862م) على يد الشيخ أبي بكر بن مهزار أحمد الكسادي.
يتميز المسجد بثلاثة صفوف من الأرصفة المستعرضة، الشرقية والغربية، إضافة إلى محراب ذي تصميم ورقي، كما توجد غرف ملحقة به تضم ضريح الشيخ الموجود في غرفة مجاورة.
خلال العصور الوسطى، كانت ورشيخ تحت حكم سلطنة أجوران التي سيطرت على جزء كبير من جنوب الصومال، وبعد انهيار هذه الإمبراطورية القوية، أصبحت المدينة لاحقًا تحت إدارة الإمامة الهررية في أواخر القرن السابع عشر.
مجيء الاستعمار الإيطالي ومجزرة ورشيخ<br>في عام 1890، أرسلت إيطاليا الباخرة "فولتا" إلى سواحل ورشيخ بقيادة الملازم كارلو زافالي، مع تعليمات بالسعي لعقد لقاء مع الزعيم المحلي، الذي كان معظم سكان منطقته ينتمون إلى عشيرة أبغال الفرعية من قبائل الهوية الصومالية.
كانت مهمة البعثة إظهار النوايا الودية، وتقديم الهدايا للزعماء والسكان، ورافق زافالي عدد من أفراد الطاقم، من بينهم قائد الدفة أنجيلو بيرتولوتشي، والبحار أنجيلو بارتوريلو، والمهندس ألفريدو سيموني، وعامل الوقود جوزيبي غوريني، وكبير الموجهين جيوفاني غونيلا، إضافة إلى المترجم العربي سعيد أحمد، لكن هذه الزيارة انتهت بحادثة عُرفت لاحقًا باسم "مجزرة ورشيخ"، التي وقعت في 24 أبريل 1890 بالقرب من المدينة، عندما هاجم سكان محليون بقيادة زعيم ورشيخ السفينة الإيطالية، وأسفر الهجوم عن مقتل الملازم البحري الإيطالي كارلو زافالي والقبطان أنجيلو بارتوريلو قبالة سواحل ورشيخ. وكان رد الفعل الإيطالي تنفيذ أول قصف بحري استعماري في تاريخ الصومال، كإجراء انتقامي على الهجوم.
صباج جديد في ورشيخ:بتنا تلك اليلة في ورشيخ، وفي صباح يوم الجمعة العاشر من يوليوا أسرعنا الي البحر بعد صلاة الفجر، مارسنا على رياضة الجري علي الشاطئ وعلي الرمال القريبة منه، جهزنا الفيديوهات القصيرة التي سنستخدمها لاحقا في إنتاج وثائقيات قصيرة بلغات متعددة، هناك تعرف بعضنا البعض بشكل أعمق وحكى كل واحد منا عن حكايته الخاصة وجوانب من حياته كانت مخفية عن الآخرين ، نحن جميعا نعيش في مقديشو، تكونت صداقتنا في العاصمة لكن أصولنا ترعرعنا في بيئات مختلفة، فمن بيننا من أتى من عابدواق وسط الصومال، واثنين من بلدوين، واخر من بوصاصو، والاخير من مقديشو، وبما أن غالبيتنا نعمل في مجال الإعلام، فقد كنا نهتم بكل التفاصيل؛ كل صورة، كل موقع تاريخي، وكل منظر جميل لقيناه في تلك الصباح.صلينا صلاة الجمعة في الجامع الكبير، ثم توجهنا إلى أحياء أخرى من المدينة، تعرفنا على شوارعها وأزقتها، وذهبنا إلى الجانب الرملي المقابل للبحر، حيث لعبنا بعض الألعاب التقليدية.
هناك التقينا بصادق، الذي عاد من أوروبا، حيث يقيم، لزيارة أهله في ورشيخ. كان والده مؤذن المسجد لأكثر من عشرين عامًا، وقد حكى لنا مساء ذلك اليوم عن تاريخ المدينة، والعلماء والأولياء الذين مروا بها، وعادات وتقاليد أهلها، وتفاصيل أخرى كثيرة عن حياة ورشيخ.
في ذلك المساء، أخذنا آخر جولة لنا بجانب البحر، لنختتم رحلتنا ونعود إلى مقديشو، وفي الطريق استمعنا إلى الأغاني، وتقاسمنا الحكايات والذكريات، حتى وصلنا إلى العاصمة ونحن نحمل معنا تجربة مختلفة عن مدينة ساحلية هادئة تختزن التاريخ والجمال.
بقلم :أحمد سعيد عبدالله
باحث صومالي خريج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة



