مقديشو 09 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق30 نوفمبر 2025م (صونا) – في بلد يسعى للنهوض رغم التحديات والأزمات الممتدة، برز اسمٌ واحد خلال العقدين الماضيين كأحد أهم رواد الطب النفسي في الصومال؛ إنه الدكتور عبد الرحمن علي عوالي، المعروف شعبيًا بـ”الدكتور حبيب”، مؤسس منظمة حبيب للصحة النفسية وإعادة التأهيل، التي تحتفل هذا العام بمرور 20 عامًا على تأسيسها في 24 نوفمبر 2005.
على مدى عقدين، تحولت هذه المبادرة الفردية المتواضعة إلى واحدة من أكبر المؤسسات المتخصصة في العلاج النفسي بالساحل الشرقي لأفريقيا، بعدما نجحت في توفير رعاية مهنية وإنسانية لآلاف المرضى الذين كانوا يعيشون في هامش المجتمع، مقيدين بالسلاسل أو تائهين في الشوارع بلا مأوى.
مسيرة إنسانية بدأت من الشارع
يروي الدكتور حبيب اللحظة التي غيّرت مسار حياته، قائلاً: “كانت نقطة التحوّل حين رأيتُ مجموعة فتيات مصابات باضطرابات نفسية يتعرضن للسبّ والاضطهاد في الشارع… شعرتُ أن الصمت جريمة، وأن تأسيس مركز متخصص واجب أخلاقي قبل أن يكون مشروعًا مهنيًا.”
من هنا وُلد أول مركز متخصص للصحة النفسية بعد الحرب الأهلية، ليصبح نواةً لـمنظمة “حبيب” التي تدير اليوم أربعة مراكز رئيسية في مقديشو وضواحيها، تُقدّم خدمات علاجية وتأهيلية لنحو 600 نزيل تتراوح أعمارهم بين 17 و33 عامًا.
إنقاذ رجل مسن… حملة إنسانية لا تتوقف
وفي أبريل 2025، تصدر الدكتور حبيب عناوين الصحف بعد تدخل إنساني لافت؛ إذ أنقذ رجلًا مسنًا يعاني اضطرابات عقلية كان يتجول تائهًا في شوارع مقديشو بلا مأوى.
ويقول الدكتور حبيب: “وجدته وحيدًا في الطريق… كان المشهد موجعًا. لم أستطع أن أتركه. نقلناه فورًا إلى مركز حبيب ليبدأ رحلة علاجية جديدة.”
كانت هذه الحادثة جزءًا من حملة توعوية موسعة أطلقها الدكتور حبيب لتشجيع المجتمع على التخلي عن المفاهيم الخاطئة حول المرض النفسي.
ويضيف: “المريض النفسي لا يحتاج إلى سلاسل، بل يحتاج إلى طبيب ودواء ورحمة.”
تحديات في التمويل… ورغم ذلك تستمر المهمة.
ورغم الضغط الكبير، ما تزال الموارد شحيحة.
يقول رئيس المنظمة: “لدينا 600 نزيل، بينما السلات الغذائية التي تصلنا أحيانًا تكفي لـ100 فقط… ومع ذلك لا نغلق أبوابنا. نواصل العمل إيمانًا بأن ترك أي مريض في الشارع هو خيانة أخلاقية لمهنتنا.”
345 ألف حالة… أرقام صادمة في اليوم العالمي للصحة النفسية
في احتفال منظمة “حبيب” باليوم العالمي للصحة النفسية في 10 أكتوبر 2025، كشف الدكتور حبيب عن إحصائية مقلقة لحجم انتشار الاضطرابات النفسية في الصومال.
وقال: “لدينا نحو 345 ألف شخص يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة… كثير منهم يعيشون مقيدين بالسلاسل الغليظة، وهذا يذكّرنا بأن الطريق ما يزال طويلاً.”
وألقى باللوم على نقص التدريب المتخصص، مؤكدًا أن ذلك “يُفاقم من صعوبة العلاج ويعرقل عمليات إعادة التأهيل”.
تأهيل الكوادر… 54 مختصًا جديدًا
في 16 يوليو الماضي، خرجت المنظمة 54 مختصة جديدة في الصحة النفسية بعد دورة دبلوم استمرت ثلاثة أشهر، بالتعاون مع وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية.
ويصف الدكتور حبيب أهمية هذا الإنجاز بقوله: ” أكبر مشكلة تواجهنا ليست فقط المرض، بل قلّة من يعرفون كيف يعالجونه… نحن نُعدّ الجيل القادم من المختصين.”
عدّادو… أول مستشفى عقلي حديث
وفي مايو 2024، دشنت المنظمة أول مستشفى متخصص بالأمراض العقلية في مدينة عدّادو، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ الرعاية النفسية بالصومال.
وقد استقبل المستشفى حتى الآن نحو 900 مريض من مناطق مختلفة، بينها:
- الإقليم الصومالي في إثيوبيا
- بونتلاند
- أرض الصومال
وبهذا تحولت المنظمة من عمل تطوعي محدود إلى مؤسسة علاجية وطنية تغطي مناطق واسعة داخل البلاد وخارجها.
قصص إنسانية تلخّص رسالة المنظمة
إضافة إلى المسنّ الذي تم إنقاذه، قدّمت المنظمة في 13 أبريل 2025 رعاية فورية لشاب كان يتجول بلا مأوى في شوارع العاصمة.
ويقول الدكتور حبيب: “هذه القصص هي الوقود الذي يجعلنا نستمر… نحن نعيد لمن فقدوا ذواتهم حقهم في الحياة الكريمة.”
تفكيك المفاهيم الخاطئة… نحو مجتمع واعٍ
أطلق الدكتور حبيب حملات توعية واسعة في المدارس والجامعات والمساجد، بهدف هدم الأفكار الخاطئة حول المرض النفسي.
ويؤكد :” “المجتمع لا يزال يربط المرض النفسي بالجنّ أو العار… مهمتنا أن نعيد تعريفه باعتباره مرضًا طبيًا قابلًا للعلاج.”
وفي سياق متصل، يستعد الدكتور حبيب للمنافسة على جائزة “البطل الصومالي”، التي تُعد من أرفع الجوائز الإنسانية المخصصة لتكريم أبرز الشخصيات المؤثرة في العمل الإنساني. وقد تم ترشيحه رسميًا بصفته أحد أبرز الوجوه في رعاية المرضى النفسيين في الصومال.
ومن المقرر إعلان الفائز خلال حفل دولي يُعقد الشهر المقبل في الولايات المتحدة الأمريكية، وسط اهتمام واسع من الجاليات الصومالية والمنظمات الدولية.
بعد عشرين عامًا… ماذا يقول مؤسس المنظمة؟
في ختام حواره، عبّر الدكتور حبيب عن شعوره بعد مرور عقدين من العمل المتواصل:
“عشرون عامًا من الألم والأمل… أنقذنا آلاف الأرواح، لكن ذلك لم ينتهِ. أحلمُ بيومٍ تصبح فيه الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من النظام الصحي في الصومال، لا رفاهية أو صدفة.”
خاتمة
بعد عشرين عامًا من الكفاح، أصبحت منظمة “حبيب” للصحة النفسية وإعادة التأهيل ركنًا أساسيًا في منظومة الرعاية الصحية بالصومال، وشعاع أمل للمرضى الذين عاشوا لسنوات في الظل دون علاج أو تعاطف.
لقد أثبت “الدكتور حبيب” أن الفرد الواحد يمكنه أن يحدث تغييرًا عميقًا، إذا امتلك إرادة صلبة وقلبًا ينبض بالرحمة.
ومع كل مريض يستعيد وعيه أو يعود إلى أسرته، تتجدد رسالة المنظمة:
الصحة النفسية حق إنساني… وليست وصمة.
