المقالات
من التمثيل الدبلوماسي إلى خدمة المواطن: تجربة السفير علي عبدي أواري في تعزيز العمل المؤسسي للصوماليين في مصر

القاهرة/ وكالة صونا- لم تعد الدبلوماسية الحديثة تقتصر على إدارة العلاقات الرسمية بين الدول أو تمثيل الدولة في المناسبات والمؤتمرات الدولية، بل أصبحت، في جوهرها، أكثر قربًا من الإنسان واحتياجاته اليومية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمواطنين المقيمين خارج وطنهم. ومن هذا المنظور، تبرز تجربة سعادة السفير علي عبدي أواري، سفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدى جمهورية مصر العربية، باعتبارها نموذجًا لعمل دبلوماسي يجمع بين التمثيل الرسمي وخدمة المواطن وتعزيز العمل المؤسسي للجالية.
ومنذ توليه مهامه، بدا واضحًا أن العمل الدبلوماسي في نظر السفير علي عبدي أواري لا ينفصل عن مسؤولية السفارة تجاه أبناء الجالية الصومالية، وأن نجاح البعثة الدبلوماسية لا يُقاس فقط بما تحققه في المجال السياسي، وإنما كذلك بمدى قدرتها على الاستجابة لاحتياجات مواطنيها وحماية مصالحهم وتعزيز حضورهم المؤسسي والمجتمعي.
المواطن أولًا.. دبلوماسية تتجاوز الإجراءات
كان الاهتمام بالمواطن الصومالي أحد أبرز ملامح هذا النهج. فقد عملت السفارة على تطوير الاستجابة القنصلية لاحتياجات أبناء الجالية، والتعامل مع الحالات الإنسانية بصورة أكثر سرعة ومرونة، بما في ذلك الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلًا عاجلًا، مثل حالات الوفاة، حيث تمثل سرعة إنجاز الوثائق والإجراءات الرسمية أهمية بالغة لأسر المتوفين في ظروف إنسانية صعبة.
كما اتجهت السفارة إلى تعزيز البعد الإنساني للخدمة القنصلية من خلال السعي إلى إبرام تفاهمات مع مؤسسات طبية مصرية، بما يتيح للصوماليين الاستفادة من الخدمات الصحية بشروط وخصومات تفضيلية، ومن بينها مؤسسات طبية معروفة مثل المستشفي السعودي الألماني والسلام الدولي. وهي خطوة تعكس انتقال العمل القنصلي من مفهوم المعاملة الإدارية إلى مفهوم الخدمة التي تبحث عن حلول عملية لمشكلات المواطن.
من جهود فردية إلى جالية ذات إطار مؤسسي
ولعل من أهم التطورات التي شهدها العمل المجتمعي الصومالي في مصر خلال هذه المرحلة تأسيس جالية صومالية بصورة رسمية ومنظمة، في خطوة تمثل تحولًا مهمًا في مسار العمل الأهلي والمجتمعي للصوماليين.
فوجود جالية منظمة لا يمثل مجرد إنشاء كيان جديد، وإنما يوفر إطارًا مؤسسيًا يمكن من خلاله تنظيم مطالب أبناء الجالية، وتنسيق المبادرات، وتمثيل المصالح بصورة أكثر وضوحًا، وفتح قنوات أكثر انتظامًا للتواصل مع السفارة والمؤسسات المصرية.
ويكتسب هذا الحدث أهمية خاصة لأنه جاء بعد فترات كان فيها جزء كبير من النشاط المجتمعي يعتمد على المبادرات الفردية والجهود التطوعية والجمعيات المختلفة. ومن ثم، فإن الانتقال إلى إطار مؤسسي منظم يمكن أن يشكل أساسًا أكثر استدامة لخدمة المجتمع الصومالي في مصر.
وقد شهد إعلان وتأسيس الجالية الصومالية التى أقيم في 10 أغسطس حضور عدد من الشخصيات الرسمية والدبلوماسية، من بينهم الدكتور إبراهيم جوري محمد، مدير إدارة شؤون المغتربين بوزارة الخارجية والتعاون الدولي الصومالية، وسفير جمهورية جيبوتي ومندوبها الدائم لدى مصر السيد أحمد علي بري، وسفير جمهورية الصومال الفيدرالية ومندوبها الدائم لدى مصر السيد على عبد أوارى، بما يعكس أهمية الحدث في تعزيز التواصل المؤسسي بين أبناء الجالية ومؤسسات الدولة الصومالية والبعثات الدبلوماسية.
إعادة الاعتبار للمؤسسة الطلابية
امتد الاهتمام بالعمل المؤسسي كذلك إلى القطاع الطلابي، من خلال دعم إعادة تفعيل الدور المؤسسي لنادي اتحاد الطلبة الصوماليين في مصر، وهي مؤسسة ذات مكانة تاريخية في الذاكرة الوطنية الصومالية، يعود تأسيسها إلى عام 1954.
وقد شهد المسار الطلابي توجهًا نحو تعزيز الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة، من خلال تطوير آليات انتقال المسؤولية والعودة إلى الاختيار المباشر للقيادة عبر الانتخابات. ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في تغيير الإدارة فحسب، وإنما في ترسيخ قيم المشاركة والشفافية والتداول المؤسسي للمسؤولية بين الطلاب.
سفير قريب من أبناء وطنه
وفي المحصلة، فإن تجربة السفير علي عبدي أواري في مصر تقدم صورة لدبلوماسية تحاول الجمع بين واجب التمثيل الرسمي ومسؤولية القرب من المواطن. فالحضور في المناسبات الاجتماعية والإنسانية، والتواصل مع أبناء الجالية، ومتابعة قضاياهم، ودعم تنظيمهم المؤسسي، كلها مؤشرات على أن العلاقة بين السفارة والجالية يمكن أن تقوم على الشراكة والتواصل، وليس فقط على الإجراءات الرسمية.
وقد لا تكون قيمة هذه التجربة في حدث واحد أو مبادرة منفردة، وإنما في تراكم مجموعة من الخطوات التي تستهدف بناء مؤسسات أكثر تنظيمًا وخدمات قنصلية أكثر استجابة ومجتمع صومالي أكثر قدرة على التعبير عن احتياجاته.
إن الدبلوماسي الناجح هو الذي يدرك أن المواطن جزء أصيل من صورة وطنه في الخارج، وأن خدمة المواطن ليست عملًا هامشيًا على هامش الدبلوماسية، بل أحد وجوهها الأساسية. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة السفير علي عبدي أواري تجربة تستحق التقدير؛ لأنها تحاول أن تجعل من السفارة مساحة للتواصل والحماية والخدمة، ومن الجالية شريكًا في العمل المؤسسي، بما يترك أثرًا إيجابيًا يمكن أن يمتد إلى مستقبل الوجود الصومالي في مصر.
بقلم/ عبد العزيز علي محمود: باحث سياسي صومالي



