الأخبار
عبد الفتاح قاسم محمود.. وزير يفتح للإعلام الصومالي طريق المستقبل

قديشو 26 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 08 سبتمبر 2026 م (صونا)- لم يكن المنتدى الوطني للاتصال الاستراتيجي حدثًا إعلاميًا عابرًا في أجندة وزارة الإعلام والثقافة والسياحة، بل كان تعبيرًا عن قناعة راسخة لدى معالي الوزير عبد الفتاح قاسم محمود بأن الإعلام الصومالي بحاجة إلى مساحة واسعة للحوار، وإلى رؤية تتجاوز إدارة الواقع نحو الاستعداد للمستقبل.
ومن هنا جاءت فكرة المنتدى، الذي نظمته وزارة الإعلام والثقافة والسياحة، وجمع حول طاولة واحدة ممثلين عن الحكومة ووسائل الإعلام والجامعات والباحثين والمجتمع المدني والمؤثرين الرقميين وقطاع الأعمال والشركاء الدوليين.
أن يجتمع هذا الطيف الواسع من أصحاب المصلحة في قطاع الإعلام ليس أمرًا بسيطًا؛ فهو يعكس إدراكًا بأن مستقبل الإعلام الصومالي لا يمكن أن تصنعه مؤسسة واحدة، مهما كانت مسؤوليتها، وإنما يحتاج إلى حوار وطني تشارك فيه مختلف الأطراف المعنية.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها في تجربة الوزير عبد الفتاح قاسم محمود.
فمنذ توليه مسؤولية وزارة الإعلام والثقافة والسياحة، لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مجرد منصة لنشر نشاط الحكومة، وإنما باعتباره مؤسسة مؤثرة في بناء الدولة، وتعزيز التواصل بين الحكومة والمواطن، وحماية المجتمع من التضليل والدعاية المتطرفة.
ولهذا جاء المنتدى ليضع مستقبل الإعلام على طاولة النقاش بصورة أكثر شمولًا: كيف يمكن بناء إعلام مهني وموثوق؟ كيف يمكن تطوير الإعلام الحكومي؟ كيف يتعامل الصحفي الصومالي مع الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن مواجهة الأخبار المضللة والدعاية الإرهابية دون التخلي عن المعايير المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي؟
أسئلة من هذا النوع تكشف أن الوزارة لا تنظر إلى الإعلام من زاوية الحاضر وحده، بل تحاول أن تستبق التحولات التي يشهدها العالم.
فالصحافة التي عرفناها قبل سنوات ليست هي الصحافة التي يتعامل معها الجمهور اليوم.
الهاتف أصبح غرفة الأخبار الأولى، ومنصات التواصل أصبحت منافسًا مباشرًا لوسائل الإعلام التقليدية، والذكاء الاصطناعي دخل إلى مراحل إنتاج المحتوى، بينما أصبح المؤثرون الرقميون قادرين على الوصول إلى جمهور قد يفوق جمهور بعض المؤسسات الإعلامية.
وفي مواجهة هذا الواقع، اختار الوزير أن يفتح النقاش بدل أن يكتفي بمراقبة التحول.
وتكشف الإجراءات التي عرضتها الوزارة خلال المنتدى أن هذه الرؤية ليست مجرد أفكار نظرية.
فمنذ عام 2022، اتخذت الحكومة خطوات لإصلاح الإعلام الحكومي وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، وصولًا إلى إعداد الاستراتيجية الوطنية للإعلام والاتصال الجماهيري التي أقرها مجلس الوزراء في يناير 2024.
كما ركزت الوزارة على الاستثمار في الكادر البشري، من خلال تدريب أكثر من 600 صحفي وموظف إعلامي على التغطية المسؤولة والتحقق من المعلومات ومواجهة الأخبار المضللة.
وفي بلد يواجه تهديد الإرهاب، كان من الطبيعي أن يحتل الفضاء الإعلامي والرقمي موقعًا متقدمًا في هذه الرؤية.
فالمعركة ضد التطرف لا تجري في الميدان فقط، وإنما تمتد إلى المنصات التي يتلقى منها الشباب معلوماتهم ويشكلون من خلالها مواقفهم.
ومن هنا، فإن تطوير الإعلام الوطني لا يمثل ترفًا مؤسسيًا، بل جزءًا من حماية المجتمع وتعزيز قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
واللافت كذلك أن رؤية الوزارة لمستقبل الإعلام لم تنفصل عن الثقافة والذاكرة الوطنية.
فالعمل على إعادة تأهيل أرشيف راديو مقديشو، إلى جانب جهود إعادة تأهيل المسرح الوطني، يعكس فهمًا أوسع لدور الوزارة؛ فهمًا يرى أن الإعلام والثقافة والفنون عناصر متكاملة في صناعة الوعي وحفظ الذاكرة الوطنية.
ولعل الرسالة الأهم التي حملها المنتدى هي أن الإصلاح الإعلامي لا ينبغي أن يبقى مشروعًا حكوميًا مغلقًا، بل يجب أن يتحول إلى شراكة وطنية.
لقد دعا الوزير إلى توصيات عملية وشراكات جديدة ورؤية واضحة لمستقبل الإعلام الصومالي، وهو ما يجعل المنتدى نقطة انطلاق أكثر من كونه فعالية تنتهي بانتهاء جلساتها.
وفي العمل العام، هناك فرق بين مسؤول يدير مؤسسة، ومسؤول يحاول أن يترك فيها أثرًا.
والفرق يظهر عندما يتحول التحدي إلى مشروع، والمشكلة إلى فرصة، والقطاع المتفرق إلى منظومة.
ومن خلال تنظيم المنتدى الوطني للاتصال الاستراتيجي، يبدو أن عبد الفتاح قاسم محمود أراد أن يقول بوضوح إن الإعلام الصومالي أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يكفي فيها أن نلاحق التطورات، بل ينبغي أن نستعد لها، وأن ننتقل من رد الفعل إلى المبادرة.
وهذه ربما تكون القيمة الأبرز للمنتدى: أنه وضع مستقبل الإعلام الصومالي في مركز النقاش، وجعل مختلف أطرافه شركاء في التفكير فيه.
فالإعلام الذي يحتاجه الصومال اليوم ليس إعلامًا يكثر فيه الكلام، وإنما إعلام يعرف ماذا يقول، ومتى يقول، وكيف يصل إلى الناس، وكيف يحافظ على ثقتهم.
وإذا كان تنظيم هذا المنتدى قد كشف شيئًا، فهو أن معركة بناء إعلام صومالي حديث بدأت تأخذ مكانها ضمن مشروع بناء الدولة نفسها.
وفي هذه المعركة، تبدو مبادرة الوزير عبد الفتاح قاسم محمود خطوة تستحق أن تُقرأ ليس باعتبارها فعالية إعلامية، وإنما باعتبارها محاولة لفتح باب جديد أمام قطاع يحتاج إلى رؤية، وشراكة، وقيادة تعرف أن مستقبل الإعلام لا ينتظر أحدًا.
بقلم عمر فارح ( عمر كرامي) رئيس تحرير وكالة الأنباء الوطنية الصومالية صونا.


