المقالات
صياغة مستقبل الإعلام الصومالي في العصر الرقمي.. منتدى وطني يرسم ملامح مرحلة جديدة للاتصال والإعلام

مقديشو / وكالة صونا- تستعد العاصمة الصومالية مقديشو يومي 7 و8 سبتمبر/أيلول 2026 لاحتضان المنتدى الوطني لاستراتيجية الاتصال الإعلامي «Strategic Communication Forum»، الذي تنظمه وزارة الإعلام والثقافة والسياحة في جمهورية الصومال الفيدرالية، في مبادرة تأتي في توقيت بالغ الأهمية لمسار تطور الإعلام في الصومال، وفي ظل تحولات متسارعة أعادت تشكيل طبيعة العمل الإعلامي ووسائل إنتاج المعلومات وتداولها ووصولها إلى الجمهور.
وقد أعلن وزير الإعلام والثقافة والسياحة، معالي عبد الفتاح قاسم محمود، انعقاد المنتدى تحت شعار «صياغة مستقبل الإعلام الصومالي في العصر الرقمي»، وهو شعار يعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها القطاع الإعلامي، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساندة للعمل الصحفي، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشكيل البيئة الإعلامية الحديثة وتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور ومؤسسات الدولة.

وتنبع أهمية هذا المنتدى من كونه يتجاوز فكرة الفعاليات الإعلامية التقليدية التي تركز على مناقشة واقع القطاع بصورة آنية، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا واتساعًا يتعلق بمستقبل الإعلام الصومالي وقدرته على التكيف مع التحولات الرقمية المتسارعة. فالإعلام في عالم اليوم لم يعد محصورًا في المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية بالشكل الذي كان سائدًا خلال العقود الماضية، وإنما أصبح فضاءً مفتوحًا تتداخل فيه الصحافة المهنية مع المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد فرض هذا التحول على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في أدواتها وأساليبها ومعاييرها المهنية، كما فرض على الحكومات تطوير استراتيجيات جديدة للاتصال مع المواطنين وإيصال المعلومات الموثوقة إليهم في بيئة أصبحت فيها المعلومة تنتشر بسرعة غير مسبوقة، وأحيانًا قبل أن تتاح الفرصة للتحقق منها أو وضعها في سياقها الصحيح.
وفي هذا السياق، يكتسب اختيار وزارة الإعلام لموضوع «صياغة مستقبل الإعلام الصومالي في العصر الرقمي» دلالة خاصة، لأنه يعكس توجهًا نحو التعامل مع الإعلام باعتباره قطاعًا استراتيجيًا يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الدولة والمجتمع، وليس مجرد أداة لنقل الأخبار. فالإعلام المهني يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز التواصل بين الدولة والمواطنين، وتوضيح السياسات العامة، ونقل احتياجات المجتمع إلى مؤسسات صنع القرار، كما يسهم في بناء الثقة العامة وترسيخ الوعي المجتمعي. ولذلك فإن تطويره وتحديث أدواته أصبح جزءًا أساسيًا من عملية بناء المؤسسات وتعزيز الحوكمة والاتصال العام في الصومال.
ومن هذه الزاوية، يبرز الدور الذي يضطلع به وزير الإعلام والثقافة والسياحة معالي عبد الفتاح قاسم محمود في الدفع نحو تطوير الرؤية الوطنية للإعلام، ولا سيما من خلال طرح قضايا المستقبل ضمن أجندة النقاش المؤسسي. فالدعوة إلى عقد منتدى وطني يجمع مؤسسات الحكومة على المستويين الفيدرالي والولائي، والخبراء والمتخصصين في الإعلام والاتصال، والعاملين في المؤسسات الإعلامية الحديثة، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين، تعكس إدراكًا لأهمية بناء رؤية مشتركة لا تقتصر صياغتها على جهة واحدة، وإنما تستند إلى حوار واسع يشارك فيه مختلف الفاعلين في المجال الإعلامي والاتصالي. وهذه المقاربة تمنح المنتدى قيمة مؤسسية مهمة، لأنها تفتح المجال أمام تبادل الخبرات وتشخيص التحديات من زوايا متعددة، والانتقال من النقاش النظري إلى التفكير في حلول قابلة للتطبيق.
ويأتي المنتدى كذلك في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي من أكثر العوامل تأثيرًا في المشهد الإعلامي الصومالي. فقد أتاحت هذه المنصات فرصًا غير مسبوقة أمام المؤسسات الإعلامية للوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، كما وفرت أدوات جديدة لإنتاج المحتوى وتوزيعه والتفاعل المباشر مع المتلقين. وفي المقابل، أفرزت البيئة الرقمية تحديات معقدة تتعلق بانتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، وسرعة تداول المحتوى غير الموثوق، وتراجع الحدود الفاصلة أحيانًا بين الصحافة المهنية والمحتوى غير المنظم. ولذلك فإن الاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا لا يمكن أن تكون منفصلة عن بناء وعي مهني ومجتمعي قادر على التعامل النقدي مع المعلومات، وتعزيز ثقافة التحقق من الأخبار، والالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية في إنتاج المحتوى ونشره.

ومن بين الملفات التي ستفرض حضورها بقوة خلال أعمال المنتدى مسألة الذكاء الاصطناعي، الذي بات يعيد تعريف عدد كبير من وظائف وممارسات القطاع الإعلامي على المستوى العالمي. فالذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات واسعة في مجالات البحث والتحليل والترجمة وإنتاج المحتوى ومعالجة البيانات والوصول إلى المعلومات، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة جوهرية تتعلق بدقة المعلومات وحقوق الملكية والمسؤولية المهنية والتمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، فضلًا عن مخاطر استخدام التقنيات الحديثة في إنتاج المعلومات المضللة. ومن ثم فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في المنتدى لا ينبغي أن ينحصر في كيفية استخدام هذه الأدوات، وإنما يتجه كذلك إلى وضع تصور للاستخدام المسؤول والأخلاقي لها، بما يضمن الاستفادة من إمكاناتها دون المساس بجوهر العمل الصحفي وقيمه الأساسية.
ولا تقل أهمية محور العلاقة بين الحكومة والجمهور عن المحاور التقنية والمهنية الأخرى، إذ إن الاتصال الحكومي الفعال أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة العامة، خصوصًا في المجتمعات التي تشهد تحولات سياسية واجتماعية ومؤسسية متواصلة. فوجود قنوات اتصال واضحة وفعالة بين مؤسسات الدولة والمواطنين لا يضمن فقط وصول المعلومات الرسمية، بل يساعد أيضًا على الحد من الفراغ المعلوماتي الذي يمكن أن تستغله مصادر غير موثوقة لنشر الشائعات والتفسيرات المضللة. ومن هنا فإن تعزيز العلاقة بين الحكومة ووسائل الإعلام والجمهور يمثل أحد المسارات المهمة التي يمكن أن تسهم في تطوير بيئة إعلامية أكثر شفافية وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
كما أن استعراض التطورات التي شهدها قطاع الإعلام في الصومال يمثل جانبًا مهمًا من أعمال المنتدى، لأنه يوفر فرصة لتقييم المسار الذي قطعه القطاع خلال السنوات الماضية، وتحديد ما تحقق من تقدم وما تزال تواجهه المؤسسات الإعلامية من تحديات، ثم الانتقال إلى تحديد الأولويات المستقبلية على أساس واقعي. فبناء استراتيجية إعلامية ناجحة لا يبدأ من افتراض أن القطاع يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يستند إلى قراءة موضوعية للتجارب القائمة، وتحديد نقاط القوة والضعف، والاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية بما يتناسب مع خصوصية البيئة الصومالية واحتياجاتها.
ومن المنتظر أن يفتح المنتدى كذلك نقاشًا أوسع حول مستقبل الإعلام الصومالي في ظل التحول من النموذج الإعلامي التقليدي إلى نموذج متعدد المنصات، بحيث يصبح الصحفي والمؤسسة الإعلامية مطالبين بالعمل في بيئة تجمع بين النص والصوت والصورة والفيديو والمنصات الرقمية والتفاعل المباشر مع الجمهور. وهذا التحول يتطلب الاستثمار في تطوير المهارات المهنية والتقنية للعاملين في القطاع، ورفع قدرتهم على استخدام الأدوات الرقمية، وتعزيز مهارات التحقق والتحليل وإدارة البيانات، إلى جانب ترسيخ أخلاقيات المهنة باعتبارها الضمان الأساسي للحفاظ على ثقة الجمهور في الإعلام.
ويشكل المنتدى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة في تطوير القطاع الإعلامي الصومالي، من خلال بلورة توصيات ورؤية أكثر وضوحًا بشأن تحديث المؤسسات الإعلامية، وتعزيز التعاون بين الحكومة ووسائل الإعلام، وتطوير آليات الاتصال العام، والاستفادة المنظمة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومواجهة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، إلى جانب تعزيز المهنية والمسؤولية الإعلامية. كما يتيح المنتدى فرصة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة، وتطوير آليات التعاون بين مختلف المؤسسات والجهات الفاعلة، بما يجعل مخرجاته أساسًا يمكن البناء عليه في صياغة سياسات وبرامج أكثر استجابة للتحولات التي يشهدها قطاع الإعلام.
وفي المحصلة، فإن المنتدى الوطني لاستراتيجية الاتصال الإعلامي 2026 يمثل أكثر من مناسبة تجمع العاملين في قطاع الإعلام؛ فهو خطوة باتجاه بناء تصور وطني لمستقبل قطاع أصبح جزءًا أساسيًا من عملية التحول التي يشهدها الصومال. وفي مرحلة تتسارع فيها التغيرات التكنولوجية، وتتزايد فيها تحديات المعلومات المضللة، وتتبدل فيها أنماط تفاعل المواطنين مع الأخبار والمعلومات، فإن بناء إعلام صومالي حديث ومهني وقادر على مواكبة العصر لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة ترتبط بقدرة الدولة والمجتمع على التواصل وفهم التحولات وإدارة المعلومات بصورة مسؤولة. ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي تقودها وزارة الإعلام بقيادة الوزير عبد الفتاح قاسم محمود، بوصفها خطوة مهمة نحو جعل تطوير الإعلام جزءًا من الرؤية الأوسع لبناء مؤسسات أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع والاستجابة لمتطلبات المستقبل.
بقلم/ الكاتب والصحفي: أحمد محمد أحمد


