الأخبار
الصومال يحتفل بذكرى الاستقلال والوحدة: مسيرة قرون من النضال وصناعة الهوية الوطنية

مقديشو 15 محرم 1448 هـ الموافق 30 يونيو 2026 م(صونا)- تحيي جمهورية الصومال الفيدرالية، قيادةً وشعباً، ذكرى أعياد الاستقلال والوحدة الوطنية؛ وهي المناسبة التاريخية التي تجسد محطات ناصعة من النضال والتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الصومالي في سبيل نيل حريته واستعادة سيادته الوطنية.
ويشكل التاريخ الوطني الصومالي ملحمة مستمرة من الكفاح ضد الكيانات الاستعمارية التي توافدت على سواحل شرق أفريقيا، حيث قاومت الحركات الوطنية المتعاقبة الوجود الأجنبي بكل استبسال لضمان كرامة الوطن ووحدة أراضيه.
محطات النضال الأول: من "أحمد غري" إلى حركة "الدراويش"
تضرب جذور المقاومة الصومالية في عمق التاريخ؛ إذ يسجل الأرشيف الوطني بمداد من الفخر حركة القائد الفذ أحمد غري (أحمد بن إبراهيم الغازي) في الفترة ما بين 1528 و1543، والتي واجهت التمدد الاستعماري وتحالفاته في المنطقة بروح قتالية عالية.
وامتداداً لهذا الإرث التحرري، قاد زعيم حركة الدراويش، السيد محمد عبد الله الحسن، مواجهة عسكرية وسياسية منظمة ضد الاستعمار البريطاني استمرت لعقود. وقد ألحقت قوات الدراويش بالمعسكر الاستعماري خسائر استراتيجية بارزة، تجسدت في تقرير رسمي رفعه ضباط القوات البريطانية إلى حكومتهم عام 1919، أقروا فيه بالعجز الكامل عن حسم المعركة برياً ضد الدراويش، مما دفع لندن إلى استخدام سلاح الجو الملكي لأول مرة في القارة الأفريقية لمهاجمة قلاع السيد في 21 يناير 1920.
كما يزخر السجل الوطني بأسماء قادة عظام ضحوا بأرواحهم وممتلكاتهم في سبيل هذه الغاية، ومن أبرزهم الشيخ حسن برسامة، والحاج فرح عمر، والشيخ بشير.
جيل الحركة الوطنية وتأسيس الأحزاب
شهدت أربعينيات القرن الماضي تحولاً نوعياً في مسار الحركة الوطنية من العمل المسلح إلى النضال السياسي المنظم. وفي 15 مايو 1943، تأسس في العاصمة مقديشو "حزب رابطة الشباب الصومالي" (SYL) على يد 13 شاباً وطناً، ليشكل النواة الصلبة لقيادة الوعي التحرري، وتزامن ذلك مع صعود حزبي "الرابطة الصومالية الاشتراكية" و"الاتحاد الصومالي الشعبي" في الأقاليم الشمالية.
وفي عام 1948، خاض الشعب الصومالي "معركة هانولاتو" الشهيرة في مقديشو، والتي تزامنت مع وصول لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والمؤلفة من الدول الأربع المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. وبناءً على التطورات السياسية، أقرت الأمم المتحدة وضع الأقاليم الجنوبية تحت الوصاية الدولية وإيطاليا لمدة عشر سنوات بدأت عام 1950 تمهيداً لمنحها الاستقلال التام.
فلسفة العلم الوطني وتأسيس الدولة
في إطار التجهيز لمرحلة ما بعد الاستعمار، وضعت الأمم المتحدة في 12 أكتوبر 1954 لجنة من المتخصصين لتصميم العلم الوطني، وحاز التصميم المقدم من محمد عوالي ليبان —عضو الرابطة والعمل النقابي— على الإجماع؛ وجاءت دلالاته كالتالي:
اللون الأزرق الفاتح: يرمز إلى لون السماء، تعبيراً عن الطموح والسلام والحرية.
النجم الخماسي الأبيض: يشير إلى الأقاليم الخمسة التي تشكل خارطة الوجدان الهوياتي والوطني للصومال.
وفي 24 مارس 1956، خَطت البلاد خطوة متقدمة بتشكيل أول حكومة بإدارة صومالية في الأقاليم الجنوبية ترأسها عبد الله عيسى محمود، والتي استمرت في إدارة دفة الحكم حتى عام 1960، بالتوازي مع انطلاق مفاوضات تاريخية مكثفة بين أقطاب الحركة الوطنية في الشمال والجنوب لتحقيق الاندماج الكامل والوحدة.
فجر السيادة الوطنية وإعلان الجمهورية الأولى
توجت الجهود الوطنية بنيل الأقاليم الشمالية استقلالها في 26 يونيو 1960، حيث رُفع أول علم صومالي حر في حديقة الحرية بمدينة هرجيسا، وسط تفاعل شعبي وثقافي كبير صاغه الشاعر الراحل عبد الله سلطان (تيما عدي) في قصيدته التاريخية الداعية لإنزال علم المستعمر ورفع علم الاستقلال والمجد.
وبعد أربعة أيام فقط، وتحديداً في الأول من يوليو 1960، نالت الأقاليم الجنوبية استقلالها، ليعلن في اليوم ذاته عن التحام الشطرين الشمالي والجنوبي وتأسيس الجمهورية الصومالية الأولى، في مشهد جسّد أسمى قيم التلاحم والوحدة والسيادة.
وفي هذا اليوم المجيد، اختير الزعيم الوطني آدم عبد الله عثمان أدم عدي) كأول رئيس للجمهورية، ليدير البلاد بحكمة حتى عام 1967، ممهداً الطريق لتبادل سلمي وديمقراطي للسلطة عقب فوز الرئيس عبد الرشيد علي شرماركي بالانتخابات الرئاسية.
الثبات على مبادئ التأسيس
إن وكالة الأنباء الوطنية الصومالية " صونا " تستحضر هذه الذكرى الخالدة، تؤكد أن دماء الشهداء ونضال الآباء المؤسسين سيبقون البوصلة الهادية لجمهورية الصومال الفيدرالية في مسيرتها نحو البناء، والتنمية، واستدامة الاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية.
إن روح الأول من يوليو تعود اليوم لتذكر الأجيال الحالية والقادمة بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم للحفاظ على هذا الوطن عزيزاً، شامخاً، وموحداً تحت رايته الزرقاء.

