المقالات
الصومال في الأمم المتحدة.. ترسيخ السيادة وصوت أفريقيا والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني
دبلوماسية صومالية متنامية تعزز حضور الدولة دوليًا، وتدافع عن السيادة وحقوق الشعوب، وتدعم تمثيل أفريقيا في مؤسسات القرار الدولي

مقديشو/ وكالة صونا- لم تكن مشاركة الصومال في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مشاركة سنوية، وإنما جاءت في مرحلة يشهد فيها الحضور الدبلوماسي للصومال اتساعًا ملحوظًا في المحافل الدولية والإقليمية. فالصومال يشارك اليوم بصفته عضوًا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وعضوًا في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، وهو ما منحه موقعًا متقدمًا للمساهمة في النقاشات المتعلقة بالأمن والسلام والإصلاح الدولي. ومن نيويورك، قدم فخامة رئيس الجمهورية الدكتور حسن شيخ محمود رؤية الصومال تجاه عدد من القضايا الدولية، مؤكدًا أن البلاد لا تنظر إلى عضويتها في المؤسسات الدولية باعتبارها تمثيلًا لمصالحها الوطنية فحسب، بل باعتبارها مسؤولية تتيح لها المساهمة في الدفاع عن المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي وحقوق الشعوب.
وجاء خطاب رئيس الجمهورية أمام الجمعية العامة تحت عنوان محوري هو «الثقة»، في وقت يواجه فيه النظام الدولي تحديات متزايدة تتعلق بفعالية العمل متعدد الأطراف وقدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة للأزمات العالمية. وأكد الرئيس تمسك الصومال بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ المساواة في السيادة واحترام سلامة أراضي الدول والتعايش السلمي وحقوق الإنسان. ومن هنا، كان الدفاع عن سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه جزءًا أساسيًا من الرسالة الدبلوماسية التي حملها الوفد الصومالي، بالتوازي مع تأكيد حق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها واحترام سيادتها. وبذلك يضع الصومال قضيته الوطنية ضمن الإطار الأوسع للقانون الدولي، مؤكدًا أن المبادئ التي تحمي سيادته هي ذاتها المبادئ التي ينبغي أن تحمي سيادة جميع الدول وحقوق شعوبها.
وفي هذا السياق، برز الموقف الصومالي من إصلاح مجلس الأمن الدولي باعتباره أحد أهم أوجه الحضور الأفريقي في خطاب مقديشو. فالصومال، وهو عضو غير دائم في المجلس، لم يكتفِ بطرح مصالحه الوطنية، بل أكد دعمه للموقف الأفريقي المطالب بتمثيل أكثر عدالة وفاعلية للقارة في مجلس الأمن، بما يشمل فئتي العضوية الدائمة وغير الدائمة في المجلس. ويعكس هذا الموقف تطورًا في طبيعة الدور الذي تؤديه الدبلوماسية الصومالية، إذ أصبحت مقديشو تتحدث من موقع يدافع عن مصالح أوسع من حدودها الوطنية، ويشارك في النقاش المتعلق بمستقبل تمثيل أفريقيا في مؤسسات صنع القرار الدولي. ومن هذه الزاوية، يتحول الحضور الصومالي في مجلس الأمن والجمعية العامة إلى مساحة للتعبير عن صوت أفريقيا والدفع نحو نظام دولي أكثر تمثيلًا.
"لا يمكن القبول باستمرار غياب التمثيل العادل لأفريقيا في مجلس الأمن الدولي"
وفي القضية الفلسطينية، أكد رئيس الجمهورية دعم الصومال لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود عام 1967، وفق حل الدولتين. ويأتي هذا الموقف منسجمًا مع الرؤية التي عرضها الصومال في خطابه بشأن احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، بحيث لا تقتصر الدبلوماسية الصومالية على الدفاع عن قضاياها الوطنية، وإنما تتناول كذلك قضايا الشعوب التي تطالب بحقوقها المشروعة في إطار القانون الدولي. ومن هنا، حملت مشاركة الصومال رسالة واضحة مفادها أن الدفاع عن السيادة وحق تقرير المصير مبدآن مترابطان، وأن احترام هذه المبادئ ينبغي أن يكون شاملًا وغير انتقائي.

ولم يقتصر الحضور الصومالي في نيويورك على أعمال الجمعية العامة، إذ أجرى رئيس الجمهورية خلال وجوده هناك لقاءات مع عدد من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين والمنظمات الدولية، تناولت العلاقات الثنائية والتعاون المشترك والقضايا الإقليمية والدولية. وأسهمت هذه اللقاءات في تعزيز العلاقات القائمة وفتح آفاق جديدة للتعاون، إلى جانب المشاركة في الاجتماعات والفعاليات المصاحبة للجمعية العامة. كما شهدت الفترة نفسها تطورًا في العلاقات الدبلوماسية للصومال مع جمهورية الدومينيكان. ويعكس هذا النشاط اتساع دائرة الدبلوماسية الصومالية، التي باتت تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات، والمشاركة في القضايا ذات الاهتمام الدولي.
وفي مواجهة محاولات الجهات الانفصالية استغلال أجواء الدورة السنوية للتشويش على المشاركة الصومالية الرسمية، حافظ الوفد الصومالي على حضوره وأجندته الدبلوماسية، واستمر في تمثيل الدولة ومواقفها أمام المجتمع الدولي. ولم تتحول تلك التحركات إلى محور للمشاركة الصومالية، التي واصلت التركيز على القضايا التي حملها الوفد إلى نيويورك، وفي مقدمتها سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، إلى جانب الأمن والتنمية والإصلاح الدولي. وقد أظهر ذلك أهمية الحضور المؤسسي للدولة في المحافل الدولية، وقدرتها على الحفاظ على خطابها وأولوياتها الوطنية في ظل تعدد المواقف والمصالح.
ويرتبط هذا الحضور الخارجي بمسار من التحولات الداخلية التي عرضها رئيس الجمهورية أمام المجتمع الدولي، وفي مقدمتها خطة التحول الوطني، والإصلاحات المالية، وزيادة الإيرادات المحلية، والإصلاحات الدستورية والسياسية، والتوجه نحو الانتخابات العامة وتعزيز النظام متعدد الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية. كما تناول الخطاب جهود الدولة في مجالات الأمن والتنمية والمناخ وحقوق الإنسان، مؤكدًا أن بناء مؤسسات وطنية قادرة يمثل أساسًا لشراكة دولية أكثر فاعلية واستدامة.
"تمضي الصومال بثبات نحو تحقيق تطلعاتها الوطنية، فيما يتجه الشعب الصومالي إلى اختيار قادته عبر صناديق الاقتراع، بالتوازي مع استكمال مراجعة الدستور، وترسيخ مسار الاقتراع المباشر، وتعزيز مؤسسات خاضعة للمساءلة"
وفي هذا الإطار، دعا الصومال إلى تطوير شراكته مع المجتمع الدولي لتصبح أكثر استراتيجية ومساءلة وتركيزًا على النتائج، مع منح المؤسسات الصومالية دورًا أكبر في قيادة عملية بناء الدولة.
وتكشف المشاركة الصومالية في الدورة الحادية والثمانين عن مرحلة تتجاوز فيها الدبلوماسية الصومالية مجرد استعادة الحضور إلى ترسيخ موقع الدولة ودورها في القضايا الدولية. فمن الدفاع عن السيادة والوحدة وسلامة الأراضي، إلى التعبير عن تطلعات أفريقيا نحو تمثيل أكثر عدالة في مجلس الأمن، إلى دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، يقدم الصومال نفسه بوصفه دولة حاضرة في النقاشات الكبرى التي تشغل المجتمع الدولي. وبينما يواصل بناء مؤسساته وتعزيز اقتصاده وقدراته الأمنية، يعمل كذلك على توسيع شراكاته وعلاقاته الدولية. ومن نيويورك، جاءت الرسالة الصومالية واضحة: سيادة وطنية راسخة، وصوت أفريقي حاضر، وموقف ثابت من حقوق الشعوب، وشراكة دولية تقوم على الاحترام المتبادل والنتائج.
بقلم/ الكاتب والصحفي: أحمد محمد أحمد



