الأخبار
الصومال بين الوصاية الخارجية ومسؤولية الداخل

"إذا لم يُصلح صاحب الدار داره، فمن يُنتظر أن يقوم مقامه؟"
هذه الحكمة تختصر واقع الصومال اليوم، فالأمم لا تُبنى بالاعتماد على الآخرين، ولا تُصان سيادتها إذا عجز أبناؤها عن إدارة شؤونها وتحمل مسؤولياتهم الوطنية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود من انهيار الدولة، ما زال الصومال يكافح من أجل بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة البلاد بصورة مستقلة.
ورغم الإنجازات التي تحققت في بعض المجالات، فإن الاعتماد على الشركاء الدوليين لا يزال حاضرًا في ملفات عديدة، منها الأمن، والاقتصاد، والسياسة، والمساعدات الإنسانية، وحتى بعض جوانب بناء المؤسسات.
ولا شك أن المجتمع الدولي لعب دورًا مهمًا في دعم إعادة بناء الدولة الصومالية، وقدمت دول ومنظمات عديدة مساهمات في مجالات الأمن والتنمية وبناء القدرات.
غير أن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية أو أساسًا دائمًا لاستقرار الدول.
إن أحد أكبر التحديات التي واجهت الحكومات المتعاقبة يتمثل في ضعف المؤسسات، واستمرار مظاهر الفساد وسوء الإدارة، إضافة إلى الخلافات السياسية التي كثيرًا ما استنزفت الجهد والوقت، وأبطأت مسيرة الإصلاح والتنمية.
ونتيجة لذلك، بقيت الدولة تواجه صعوبات في ترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها.
وفي الأشهر الأخيرة، شهدت الساحة السياسية لقاءات ومشاورات بين الأطراف الصومالية، بدعم ووساطة من شركاء دوليين مثل الولايات المتحدة، وتركيا، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وغيرهم. وتعكس هذه الجهود اهتمامًا باستقرار الصومال، إلا أن نجاحها في التوصل إلى حلول دائمة يعتمد في المقام الأول على استعداد القيادات الصومالية نفسها لتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
إن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي تُفرض من الخارج قد تساعد على تهدئة الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة. فالاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يلتقي أبناء الوطن على مشروع وطني جامع، قائم على سيادة القانون، والعدالة، والشفافية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الدستور.
إن مستقبل الصومال لن تحدده القوى الخارجية، بل سيحدده الصوماليون أنفسهم. فكلما ازدادت قوة المؤسسات الوطنية، وتراجعت الانقسامات، وتعززت قيم المساءلة والحوكمة الرشيدة، اقتربت البلاد من مرحلة الاعتماد على الذات، وابتعدت عن الحاجة إلى الوصاية أو الوساطة الخارجية.
لقد آن الأوان لأن يتحول الحوار من منافسة على السلطة إلى منافسة في خدمة الوطن، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. فالصومال يمتلك الموارد البشرية والطبيعية التي تؤهله للنهوض، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى قيادة رشيدة، ومؤسسات قوية، ورؤية وطنية مشتركة.
فبناء الأوطان لا يبدأ من الخارج، بل يبدأ من الداخل، حين يدرك الجميع أن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن إصلاح الدار مسؤولية أهلها قبل غيرهم.
بقلم البرفسور/ عبد النور فارح محمود
عميد كلية الطب والجراحه السابق
واستاد مشارك لمادة طب الاطفال



