المقالات
التعاطف.. مفتاح التعافي من صدمات واكتئاب ما بعد الحرب الأهلية

مقديشو 19 صفر 1448 هـ الموافق 02 أغسطس 2026 م (صونا)- "إن موت التعاطف الإنساني من أوائل وأبرز علامات انزلاق ثقافة ما نحو الهمجية."
— هانا أرنت
إن التعافي من آثار الحرب الأهلية ليس بالأمر الهين؛ فالأمر لا يقتصر على الصحة البدنية وإعادة بناء المنازل فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية وإحياء روح التعاطف.
لطالما انتابني فضول كبير لإيجاد حلول للتناقضات التي نلحظها في جوانب عديدة من حياتنا، بدءاً بيئة العمل وصولاً إلى المجتمع ككل؛ فدائماً ما تكون التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الكثيرون نافذةً تكشف لنا أبعاداً أعمق.
وعندما يصطحبنا أطفالنا إلى رياض الأطفال، فإنهم يتعلمون هناك ثلاثة أركان أساسية للحياة:
قول "من فضلك".
قول "شكراً".
إدراك أن "المشاركة عطاء".
ترتبط هذه الأركان الثلاثة جميعها بالتعاطف ارتباطاً وثيقاً، وتظل حاجتنا إليها ماسّةً طوال مراحل حياتنا.
وقد يستهين البعض بهذا الأمر معتقدين أننا -نحن الصوماليين- لا نملك هذه التعبيرات في قاموسنا، غير أننا نستخدمها في واقع الأمر بصيغ متعددة؛ فقولنا (أبووي) أو (آيو) أو (أبكو) عند طلب أمر ما (كنتاولني بذلك الكتاب) يُعادل تماماً قول: "من فضلك ناولني ذلك الكتاب". هذا بحد ذاته أدب وتهذيب وتعاطف.
أما قول "شكراً"، فهو انعكاس حقيقي لتقدير الخير. وحين يجد المرء صعوبة في نطقها، فذلك مؤشر على صعوبة إيجاده للتقدير تجاه النعم المحيطة به، ليجد نفسه منجذاباً تلقائياً نحو التفكير السلبي واستشراء الشر في محيطه. وحينئذٍ يتحول الأمر إلى نبوءة تتحقق ذاتياً؛ فلا يرى الإنسان سوى الشر، ويتسلل إليه الاكتئاب لتنتقل طاقته السلبية إلى من حوله، ويصبح التعاطف كلمة منسية.
وفي المقابل، تنص العادات الصومالية التقليدية على أن تتشارك العائلة المقربة والممتدة أفراحها وأحزانها، وهو ذات المعنى التربوي الذي يُغرس في الأطفال: "المشاركة عطاء"، وهذه هي جوهر الرحمة.
ورغم أن سكان المدن حافظوا على هذه الروح رغم انفصالهم المكاني عن عائلاتهم، إلا أنه بدأت تلوح في الأفق عادة مدمرة تتجذر ببطء؛ تمثلت في تكديس الأفراد للثروات بينما يعاني أقاربهم من الجوع والتشرد، بل ويجد البعض سهولة بالغة في التضحية بذوي القربى لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية، وتلك ممارسات بعيدة كل البعد عن الرحمة.
إن مخرجنا الوحيد من صدمات الحرب الأهلية يكمن في العودة إلى الجذور والركائز الأساسية التي يتعلمها أطفالنا. ومن خلال استعادة تلك المبادئ، يمكننا معالجة الندوب النفسية العميقة التي عانى -ولا يزال يعاني- منها الكثيرون.
وإن اقتضى الأمر، فلا مانع من إطلاق العنان للمشاعر المكبوتة والتنفيس عنها، تماماً كما كان يفعل اليونانيون قديماً لتحقيق التوازن العاطفي.
فبدون التعاطف، سننزلق حتماً نحو الهمجية. والهمجية لعبة خاسرة للجميع، ينتهي المطاف فيها بتدمير كل ما هو غالٍ وعزيز علينا.
فلنُعِد إذن تعلّم التعاطف ونمارسه معاً، من أجل بناء مجتمع سليم ومستدام.
بقلم: الدكتور عبد الله علي نور (أمريكو)
خبير في الشؤون التنظيمية للأدوية، يتمتع بخبرة تزيد عن 25 عاماً في القيادة المؤسسية، وخبرة واسعة في الشؤون التنظيمية الأوروبية والأمريكية.



