المقالات
الإعلام.. من نقل الخبر إلى بناء الدولة

مقديشو 26 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 08 سبتمبر 2026 م (صونا)- لم يعد الإعلام في الصومال مجرد وسيلة لنقل أخبار الدولة وأنشطتها، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع تتصل ببناء الدولة، وتعزيز ثقة المواطن، وحماية المجتمع من التضليل والدعاية المتطرفة.
هذه الفكرة برزت بوضوح في كلمة وزير الإعلام والثقافة والسياحة، معالي عبد الفتاح قاسم محمود، خلال المنتدى الوطني للاتصال الاستراتيجي، الذي جمع الحكومة ووسائل الإعلام والجامعات والباحثين والمجتمع المدني والمؤثرين الرقميين والشركاء الدوليين.
ومنذ عام 2022، شرعت الحكومة الفيدرالية في خطوات لإصلاح الإعلام الحكومي وتطوير أدواته، بالتزامن مع الحرب متعددة الأبعاد ضد مليشيات الشباب الإرهابية. وشملت هذه الجهود إعداد صحفيين لتغطية الجبهات، وتطوير البرامج والقنوات الإعلامية، وتعزيز حضور الإعلام الوطني في المناطق التي تم تحريرها.
لكن المعركة لم تتوقف عند حدود الميدان. فقد انتقلت بدرجة كبيرة إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الدعاية الإرهابية والمعلومات المضللة جزءًا من التحديات التي تواجه المجتمع والدولة. وأشار الوزير إلى ارتفاع عدد الحسابات التي اتُّخذت بحقها إجراءات من نحو 5 آلاف حساب عام 2022 إلى 82 ألف حساب عام 2026.
ومع ذلك، فإن مواجهة التضليل لا تنجح بالإجراءات وحدها. فالإعلام الوطني يحتاج قبل كل شيء إلى تقديم معلومة دقيقة وسريعة ومقنعة، وإلى صحفي يمتلك القدرة على التحقق والتحليل والتمييز بين الخبر والدعاية.
وفي هذا السياق، يمثل تدريب أكثر من 600 صحفي وموظف إعلامي على التغطية المسؤولة والتحقق من المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة خطوة مهمة؛ لأن بناء إعلام مهني يبدأ من بناء قدرات العاملين فيه.
كما أن الحكومة انتقلت، بحسب ما عرضه الوزير، من التعامل مع الإعلام الحكومي بصورة متفرقة إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا. فقد أُعدت الاستراتيجية الوطنية للإعلام والاتصال الجماهيري، وأقرها مجلس الوزراء في يناير 2024، مع تعزيز التنسيق بين مكاتب الإعلام في مؤسسات الدولة وتطوير آليات تبادل المعلومات وتوحيد الرسائل الحكومية.
وهذا التحول مهم؛ لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يسمع من حكومته، وإنما يحتاج إلى أن يجد منها معلومة واضحة وموثوقة وفي الوقت المناسب، خصوصًا في الأزمات وحالات الطوارئ.
وفي المقابل، يفرض التطور التكنولوجي على الإعلام الصومالي أسئلة جديدة. فالذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي والمؤثرون الرقميون أعادوا تشكيل الطريقة التي ينتج بها الناس المعلومات ويتلقونها. وهي فرصة كبيرة للإعلام إذا أحسن استخدامها، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر متزايدة تتعلق بالتزييف والمعلومات المضللة وأخلاقيات المهنة والثقة العامة.
لذلك، فإن المطلوب ليس إعلامًا يرفض التكنولوجيا، ولا إعلامًا يندفع خلفها دون ضوابط، وإنما إعلامًا يستفيد منها مع الحفاظ على أساس المهنة: الدقة، والتحقق، والمسؤولية.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضًا اهتمام الوزارة بإعادة تأهيل أرشيف راديو مقديشو والمسرح الوطني.
فالإعلام ليس حاضرًا فقط؛ إن له ذاكرة يجب الحفاظ عليها، والثقافة والفنون جزء من تشكيل الوعي الوطني.
لكن نجاح هذا المسار لن يتحقق بجهد الحكومة وحدها. مستقبل الإعلام الصومالي يحتاج إلى تعاون حقيقي بين المؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤثرين الرقميين والشركاء الدوليين.
ومن هنا تأتي أهمية المنتدى الوطني للاتصال الاستراتيجي. فالقيمة الحقيقية لأي منتدى لا تقاس بعدد المشاركين فيه، وإنما بما يخرج عنه من أفكار قابلة للتنفيذ وشراكات تستمر بعد انتهاء جلساته.
الصومال يحتاج اليوم إلى إعلام مهني، مستقل في أدائه، مسؤول في خطابه، وقادر على استخدام أدوات العصر. إعلام لا يكتفي بنقل ما يحدث، بل يساعد المواطن على فهم ما يحدث.
ففي نهاية المطاف، إصلاح الإعلام ليس شأنًا إداريًا داخل وزارة، ولا قضية تخص الصحفيين وحدهم؛ إنه جزء من بناء علاقة أكثر نضجًا بين الدولة والمواطن.
وحين تصبح المعلومة الدقيقة متاحة، والثقة أساس العلاقة، والمهنية معيار العمل، يصبح الإعلام أحد أهم أدوات بناء الدولة، لا مجرد ناقل لأخبارها.
بقلم عمر فارح ( عمر كرامي) رئيس وكالة الأنباء الوطنية الصومالية صونا.



