الأخبار
الصمت الواعي مهارة لحماية الهدوء والعلاقات

مقديشو 04 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 17 أغسطس 2026 م (صونا)- الصمت الواعي يمثل مساحة ذهنية تساعد الإنسان على ضبط انفعالاته وترتيب أفكاره واختيار كلماته بعناية، خاصة في المواقف التي قد يؤدي فيها التسرع إلى خلافات يصعب احتواؤها.
في زمن أصبحت فيه المحادثات متواصلة، والإشعارات لا تتوقف، والآراء تصل إلى الإنسان من كل اتجاه، بات الهدوء نادرًا أكثر من أي وقت مضى. ومع هذا التدفق المستمر للكلمات والمعلومات، يمكن للصمت أن يمنح العقل فرصة للخروج مؤقتًا من دائرة الاستجابة السريعة والنظر إلى الأمور بقدر أكبر من التركيز.
وتحمل المقولة المعروفة «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب» معنى يتجاوز المفاضلة البسيطة بين الكلام والصمت. فالقيمة الحقيقية تكمن في إدراك اللحظة التي تصبح فيها الكلمة مفيدة، واللحظة التي يكون فيها الامتناع عنها أكثر حكمة. ليست كل فكرة بحاجة إلى أن تُقال، كما أن كل استفزاز لا يستحق جوابًا.
وقد يعتقد البعض أن الصمت دليل على العجز عن الرد، لكن الامتناع المتعمد عن الكلام قد يتطلب قدرًا أكبر من السيطرة على النفس. فمن السهل أحيانًا أن يرد الإنسان فورًا عندما يشعر بالغضب، بينما يكون الأصعب أن يؤجل استجابته حتى يتمكن من النظر إلى الموقف بعيدًا عن الانفعال.
وتظهر أهمية ذلك بصورة واضحة أثناء الخلافات الشخصية والعائلية والاجتماعية. فالحديث في ذروة التوتر قد يدفع الأطراف إلى استخدام كلمات تتجاوز أصل المشكلة، لتتحول مناقشة موقف محدد إلى تبادل للاتهامات واستحضار لخلافات قديمة. أما التوقف المؤقت فيمنح الجميع فرصة لاستعادة الهدوء قبل استئناف الحوار.
والكلمة التي تخرج في لحظة غضب قد تستغرق ثواني فقط، لكن أثرها قد يبقى لفترة أطول بكثير. ولهذا فإن تأخير الرد ليس بالضرورة هروبًا من المواجهة، بل قد يكون وسيلة لحماية العلاقة من نتائج لحظة عابرة.
وفي الحياة اليومية، لا يحتاج الإنسان إلى إثبات موقفه في كل نقاش. هناك حوارات لا تهدف إلى الوصول إلى فهم مشترك، بل تتحول إلى منافسة يسعى فيها كل طرف إلى إثبات أنه صاحب الرأي الصحيح. الانسحاب من مثل هذه المناقشات قد يوفر وقتًا وطاقة يمكن توجيههما إلى ما هو أكثر أهمية.
ويصبح الصمت أكثر قيمة عندما يساعد الإنسان على الفصل بين ما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاوزه. فكثرة الاستجابة لكل تعليق أو انتقاد تجعل المزاج مرتبطًا باستمرار بما يقوله الآخرون، في حين يسمح تجاهل بعض المواقف بالحفاظ على قدر أكبر من الاستقلال النفسي والهدوء الداخلي.
كما يمنح الصمت مساحة مهمة للاستماع الحقيقي. فالاستماع لا يعني فقط انتظار انتهاء الطرف الآخر حتى يبدأ الرد، وإنما محاولة فهم ما يقوله ولماذا يقوله. وفي كثير من الأحيان، تكشف لحظات الإنصات تفاصيل لا تظهر عندما تتحول المحادثة إلى تبادل سريع للكلمات.
وقد يساعد هذا النوع من الاستماع في اكتشاف أن بعض الخلافات ناتجة عن سوء فهم أكثر من كونها اختلافًا حقيقيًا. فالشخص الذي يمنح الآخرين فرصة لإكمال حديثهم يستطيع تقييم الصورة بصورة أشمل قبل إصدار حكم أو اتخاذ موقف.
ومن جهة أخرى، يمنح الهدوء الإنسان فرصة للاستماع إلى نفسه. فالابتعاد لفترة عن النقاشات والأصوات الخارجية قد يساعد على مراجعة القرارات وفهم المشاعر وتحديد الأسباب الحقيقية للانزعاج. أحيانًا لا تكون المشكلة في الموقف نفسه، بل في تراكم الضغوط التي تجعل رد الفعل أكبر من الحدث.
ويشير القرآن الكريم إلى قيمة الابتعاد عن الكلام الذي لا يحمل فائدة، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. والإعراض هنا يقدم مبدأً عمليًا يقوم على عدم استنزاف الإنسان نفسه في كل حديث يدور حوله.
ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. وتلفت الآية إلى إمكانية تجاوز الكلام غير النافع دون الانجرار إليه، بما يحفظ للإنسان وقته وهدوءه وطريقة تعامله مع الآخرين.
وفي مواجهة الاستفزاز، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ويبرز هذا المعنى قدرة الإنسان على التحكم في طبيعة استجابته، بدل السماح لكلمات الآخرين بأن تفرض عليه الأسلوب نفسه.
وتتصل هذه المعاني بمسؤولية الإنسان عن كلامه، كما ورد في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. فالكلمة ليست فعلًا عابرًا دائمًا، وقد تترك أثرًا في شخص آخر أو تغير مسار علاقة أو تؤثر في نظرة الناس إلى موقف معين.
وتزداد أهمية التفكير قبل الكلام في عصر التواصل الرقمي. فالتعليق الذي يُكتب خلال لحظة غضب قد يبقى محفوظًا، والرسالة التي تُرسل بسرعة يمكن أن تصل إلى أكثر من شخص، والمنشور الذي يبدو عابرًا لصاحبه قد ينتشر خارج السياق الذي كُتب فيه.
لهذا أصبح التوقف قبل الضغط على زر الإرسال صورة حديثة من صور ضبط النفس. قراءة الرسالة مرة أخرى، أو ترك الهاتف لبضع دقائق، أو تأجيل الرد حتى تهدأ المشاعر، خطوات بسيطة قد تمنع خلافًا لم يكن ضروريًا منذ البداية.
ولا يتعلق الصمت بالعلاقات مع الآخرين فقط، بل يمكن أن يكون جزءًا من تنظيم الحياة الشخصية. فالإنسان الذي يخصص وقتًا بعيدًا عن الضوضاء والمحادثات المستمرة يمنح عقله فرصة لمعالجة ما حدث خلال يومه دون الحاجة إلى استقبال مؤثرات جديدة في كل لحظة.
وقد تكشف فترات الهدوء أولويات كانت تضيع وسط الانشغال. فعندما يقل الضجيج الخارجي، يصبح من الأسهل التفكير في القرارات المؤجلة، ومراجعة الأخطاء، ووضع حدود واضحة لما يستحق الوقت والجهد.
وفي بيئة العمل، يمكن للصمت المدروس أن يساعد على فهم النقاش قبل التدخل فيه. فالاستماع إلى مختلف الآراء وجمع المعلومات قبل اتخاذ موقف قد يؤدي إلى قرار أكثر توازنًا من الاستجابة السريعة اعتمادًا على الانطباع الأول.
كما أن الشخص الذي لا يشعر بأنه مضطر إلى ملء كل لحظة بالكلام قد يصبح أكثر دقة عندما يقرر الحديث. فقلة الكلمات لا تعني ضعف الحضور؛ وفي بعض المواقف تكون العبارة القصيرة والواضحة أكثر تأثيرًا من شرح طويل يشتت الفكرة الأساسية.
ولا ينبغي مع ذلك تحويل الصمت إلى قاعدة ثابتة. هناك مواقف يكون فيها الكلام ضروريًا، مثل الدفاع عن حق، أو رفض إساءة، أو تقديم شهادة، أو تصحيح معلومة مضللة، أو التحذير من ضرر، أو التعبير الواضح عن الحدود الشخصية.
كما يختلف الصمت الهادئ عن استخدام السكوت وسيلة لمعاقبة الآخرين أو الضغط عليهم. فالامتناع المتعمد عن التواصل بهدف إيذاء الطرف الآخر لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها أخذ وقت للهدوء قبل العودة إلى الحوار.
ومن المهم كذلك ألا يصبح الخوف من الخطأ سببًا دائمًا للسكوت. فالحكمة لا تعني الانسحاب من كل حوار، وإنما اختيار الكلمات والوقت والطريقة المناسبة. وقد تكون الشجاعة أحيانًا في الامتناع عن الرد، وفي أحيان أخرى تكون في قول كلمة واضحة عندما يصبح السكوت غير مناسب.
ومع تراكم الخبرة، يبدأ الإنسان عادة في التمييز بين النقاش الذي يمكن أن يضيف إليه شيئًا والنقاش الذي سيستهلك طاقته فقط. ويصبح أكثر قدرة على ترك بعض الكلمات تمر دون أن يشعر بالحاجة إلى الدفاع عن نفسه أمام كل شخص أو تفسير كل قرار يتخذه.
فالهدوء لا يعني غياب الموقف، كما أن الصمت لا يعني غياب الفكر. قد يكون الإنسان ساكتًا لأنه يراقب ويفهم ويعيد ترتيب الصورة قبل أن يتحدث. وقد تكون تلك المسافة القصيرة بين ما يسمعه وما يقوله هي التي تمنحه قدرة أكبر على اختيار رد لا يندم عليه لاحقًا.
وفي بعض المواقف، لا يحتاج الإنسان إلى الكلمة الأخيرة حتى يحافظ على كرامته أو يثبت وجهة نظره. ترك النقاش عندما يفقد معناه قد يكون أكثر نضجًا من الاستمرار فيه، لأن الحفاظ على راحة الذهن لا يقل أهمية عن إثبات الرأي أمام الآخرين.
بقلم: علي عبدى علي حوشو
المستشار الأول للشؤون السياسية بسفارة جمهورية الصومال الفيدرالية لدى جمهورية مصر العربية



